journal

Artikel Madzahib Volume 2: حكم اللحوم المستوردة من البلاد غير الإسلامية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين محمد وعلى آله وصحابته ومن تبعه بإحسان إلى بوم الدين.
أما بعد، فإن مع تطور العصرالأمور المستجدة ظهرت بكثرة، حيث لا تستطيع الأمة الإسلامية أن تفر منها، بل عليها أن تعالجها وتعطي لها حكما.ومن هذه الأمور قضية اللحوم الستوردة من البلاد غير الإسلامية.
والحكم على ما يقع في الكون من جزئيات يتوقف على تشخيصها وشرح حالاتها ثم تطبيق القواعد الكلية التي تناسبها عليها ثم إبداء الحكم عليها.فالحكم على اللحوم المستوردة بحل أو حرمة يتوقف على؛ معرفة الذبائح وكيفية الذبح ومعرفة ضوابط الذبح الشرعي وما يشترط فيه من شروط، ومعرفة الغرض الذي من أجله حصل الذبح.
ففي هذا البحث المتواضع أحاول معالجة هذه الأمور.
الصفة المشروعة في الذبح
الأول : تعريف الذبح لغة واصطلاحا
الذبح لغة من (ذبح) الذال والباء والحاء أصلٌ واحد، وهو يدلُّ على الشّقّ. فالذَّبح: مصدر ذبَحْت الشّاةَ ذبحاً. والذِّبح: المذبوح. والذُّبَّاح: شُقوقٌ في أصول الأصابع. ويقال ذُبِحَ الدَّنُّ، إذا بُزِلَ. والمذابح: سيولٌ صغار تشقُّ الأرض شقّاً. وسعدٌ الذّابحُ: أحد السُّعود. والذِّبَح: نبتٌ، ولعله أن يكون شاذَّا من الأصل.
الذَّبْحُ قَطْعُ الحُلْقُوم من باطنٍ عند النَّصِيل وهو موضع الذَّبْحِ من الحَلْق والذَّبْحُ مصدر ذَبَحْتُ الشاة يقال ذَبَحه يَذْبَحُه ذَبْحاً فهو مَذْبوح وذَبِيح.
ومفهوم الذبح أو الذكاة في اصطلاح الفقهاء يختلف بحسب الواجب قطعه في كل مذهب.
فعند الحنفية والمالكية : هو فري العروق، والعروق التي تقطع في الذكاة أربعة: الحلقوم، والمريء، والودجان . ومحله ما بين الَّلبة والَّلحيين (عظمي الحنك)، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «الذكاة: ما بين الَّلبة والِّلحية» أي محل الذكاة: ما بين اللبة واللحيين. واللبة: أسفل العنق. واللحية شعر الذقن. والنحر: فري الأوداج، ومحله: آخر الحلق، والذكاة الاضطرارية: جرح في أي موضع كان من البدن.
وعند الشافعية والحنابلة : الذكاة: ذبح حيوان مقدور عليه مباح أكله بقطع الحلقوم والمري. ومحله الحلق: أعلى العنق، أو اللبة: أسفل العنق فيسمى نحراً، أوعقر مزهق للروح عند التعذر في أي موضع كان.
الثاني : حكم الذبح والحكمة منه
أن الذبح شرط حل الأكل في الحيوان البري المأكول، فلا يحل شيء من الحيوان المأكول بغير ذكاة شرعية، لقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، إلا ما ذكيتم} [المائدة:3/5] فقد علق الحل بالتذكية.
ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا ما لم يكن سناً أو ظفراً، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظُّفر فمدى الحبشة».
والحكمة من الذبح: مراعاة صحة الإنسان العامة، ودفع الضرر عن الجسم، بفصل الدم عن اللحم وتطهيره من الدم؛ لأن تناول الدم المسفوح حرام بسبب إضراره بالإنسان، لأنه مباءة الجراثيم والمكروبات، ولكل دم زمرة أو فصيلة تناسبه، فيمنع الاختلاط بين الدماء، ويعد الدم نجساً تنفيراً منه. قال بعض العلماء: والحكمة في اشتراط الذبح وإنهار الدم تمييز حلال اللحم والشحم من حرامهما، وتنبيه على تحريم الميتة لبقاء دمها.
الثالث : شروط الذبح الشرعي.
يشترط في صحة الذبح شروط تالية :
الشرط الأول : أهلية المذكي،
بأن يكون عاقلا قاصدا مسلما أوكتابيا. والأصل في هذا ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.." وما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع " فكل من البالغ والمميز يوصف بالعقل.
ويشترط في الذبح باتفاق الفقهاء قصد عين المذبوح بالفعل، وإن أخطأ في الظن، أو قصد الجنس، وإن أخطأ في الإصابة. فلو تم قطع العروق بغير نية الذبح، إذ لم يقصد أحد تحقيقه، لم تحل الذبيحة، كما لوضرب حيواناً بآلة، فأصابت منحره، أو أصابت صيداً، أو قصد مجرد إزهاق روحه من غير قصد تذكية، لم يؤكل.
وقوله تعالى : { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } وقد ثبت عن بن عباس رضي الله عنه أنه فسر طعامهم بذبائحهم.
الشرط الثاني : آلة الذبح،
بأن تكون الآلة التي يذبح بها محددة يمكن أن تنهر الدم. اتفق الفقهاء على أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج من حديد أو صخر، أو عود، أو قضيب، أو زجاج تحل التذكية به. واختلفوا في ثلاثة في السن والظفر والعظم، على رأيين، فأجاز الحنفية، والمالكيةـ في الجملة ـ الذبح بها، ومنع الشافعية والحنابلة إجمالاً التذكية بها.
والأصح عدم الذبح بها لصحة الحديث الذي ثبت عن رافع بن خديج عند الأئمة الستة وأحمد، قال: «قلت: يارسول الله ، إنا نلقى العدو غداً، وليس معنا مُدىً، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم :ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا، ما لم يكن سناً أو ظُفْراً، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة».
الشرط الثالث :قطع الحلقوم،
وهو مجرى النفس والمريء وهو مجرى الطعام والودجين، والأصل في هذا ما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن شرطة الشيطان: " وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الاوداج" .
وقطع الحلقوم والمري والودجين موضع الاتفاق بين الفقهاء على حل المذبوح، واختلفوا في الحد الأدنى الذي يجب قطعه.
فقال أبو حنيفة : يجب قطع الأكثر من أربعة أي ثلاثة منها: وهي الحلقوم، والمري والودجان، فلو ترك الذابح واحداً منها يحل. لحديث «أفر الأوداج بما شئت» والأوداج: اسم جمع، أقله ثلاثة.
وقال أبو يوسف: لا بد من قطع الحلقوم والمري وأحد الودجين؛ لأن كل واحد من العروق يقصد بقطعه غير ما يقصد به الآخر؛ لأن الحلقوم مجرى النفَس، والمري: مجرى الطعام، والودجين مجرى الدم.
وقال محمد: لا يحل حتى يقطع من كل واحد من الأربعة أكثره، لأنه إذا قطع الأكثر من كل واحد من الأربعة، فقد حصل المقصود بالذبح، وهو خروج الدم.
وقال المالكية في المشهور عندهم : لا بد من قطع جميع الحلقوم وجميع الودجين. ولا يشترط قطع المري عندهم. فكان مذهبهم قريباً من الحنفية، ودليلهم المفهوم من حديث رافع بن خَديج: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكل» وحديث أبي أمامة: «ما أفرى الأوداج، ما لم يكن قرض سن، أو جزّ ظفر» فالأول: يقتضي قطع بعض الأوداج فقط، وهو معنى إنهار الدم، والثاني: يقتضي قطع جميع الأوداج، ولا يمكن قطع الودجين بدون الحلقوم، لاحاطتهما به. وهذا أدق وأصح الآراء.
وقال الشافعية والحنابلة : لا بد من قطع كل الحلقوم (مجرى النفَس) والمري (مجرى الطعام)؛ لأن الحياة تفقد بفقدهما. ويستحب قطع الودجين (وهما عرقان في صفحتي العنق)؛ لأنه من الإحسان في الذبح، وخروجاً من الخلاف. وإجزاء قطع الحلقوم والمري مشروط بوجود الحياة المستقرة عند أول قطعهما (بأن أسرع في الذبح فقطعهما دفعة، وإلا اشترطت عند آخر قطع)، فإن لم يسرع قطعهما (بأن أسرع في الذبح فقطعهما دفعة، وإلا اشترطت عند آخر قطع)، فإن لم يسرع قطعهما ولم تكن فيه حياة مستقرة، بل انتهى لحركة مذبوح، لم يحل؛ لأنه صار ميتة، فلا يفيده الذبح بعدئذ.
الشرط الرابع : التسمية،
بأن يقول: ( بسم الله ) عند حركة يده بالذبح أو النحر أو العقر، ويسن التكبير مع التسمية بأن يقول: ( بسم الله، والله أكبر ).
قال جمهور الفقهاء غير الشافعية : تشترط التسمية عند التذكية وعند الإرسال في العقر، فلا تحل الذبيحة، سواء أكانت أضحية أم غيرها، في حال ترك التسمية عمداً، وكانت ميتة. فلو تركها سهواً، أو كان الذابح المسلم أخرس أو مستكرهاً، تؤكل لقوله تعالى: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق } [الأنعام:121/6] وأضاف الحنابلة: من ترك التسمية على الصيد عامداً أو ساهياً، لم يؤكل. وعلى هذا فتحقيق المذهب عندهم أن التسمية على الذبيحة تسقط بالسهو، وعلى الصيد لا تسقط. وقال الظاهرية: تشترط التسمية مطلقاً، ولا يؤكل متروك التسمية عمداً أو سهواً.
وقال الشافعية : تسن التسمية ولا تجب وتركها مكروه، لقوله تعالى: {فكلوا مما ذكراسم الله عليه} [الأنعام:118/6] فلو ترك التسمية عمداً، أو سهواً، حل الأكل، ولأن الله تعالى في قوله: {إلا ما ذكيتم} [المائدة:3/5] أباح المذكى، ولم يذكر التسمية، وأباح الله تعالى ذبائح أهل الكتاب، وهم لا يسمون غالباً، فدل على أنها غير واجبة.
أما الذبيحة التي يحرم أكلها، فهي التي ذكر اسم غير الله عليها، وهي التي كانت تذبح للأصنام. وهذا هو المقصود بآية {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام:121/6].
ودليلهم من السنة أحاديث منها:
حديث عائشة رضي الله عنها: «إن قوماً قالوا: يا رسول الله : إن قومنا يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا الله عليه أنتم، وكلوا» وفي رواية لمالك: «وكانوا حديثي عهد بالكفر» ولو كانت التسمية واجبة، لما أجاز الأكل مع الشك.
وحديث عدي بن حاتم، قال: «سألت النبي صلّى الله عليه وسلم عن الصيد؟ فقال: إذا رميت بسهمك، فاذكر اسم الله عليه» .
وحديث الصلت السدوسي: «ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله ، أو لم يذكر» ويذكره الفقهاء بلفظ غريب: «المسلم يذبح على اسم الله تعالى، سمى أو لم يسم».
وسأل رجل النبي صلّى الله عليه وسلم : الرجل منا يذبح، وينسى أن يسمي الله ، قال: اسم الله على كل مسلم» .
والأحاديث الأخرى المطالبة بالتسمية محمولة على الندب. وهذا الرأي أيسر من غيره، لكن أدلة الجمهور وأحاديثهم أصح وأقوى ثبوتاً وأعم مراداً.
الرابع : سنن الذبح الشرعي.
يستحب في التذكية ما يأتي وهي سنن الذبح.
الأولى :
إحداد الشفرة (السكين العظيمة) قبل الإضجاع، لا بمرأى البهيمة؛ لأنها تعرف الآلة الجارحة كما تعرف المهالك، فتتحرز عنها، فإذا أحد الشفرة، وقد أضجعها، يزداد ألمها.
قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم، فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» وفي سنن البيهقي أن عمر رضي الله عنه «رأى رجلاً وقد أضجع شاة، ووضع رجله على صفحةوجهها، وهو يحد الشفرة، فضربه بالدِّرة» وعن ابن عباس قال: «مر رسول الله صلّى الله عليه وسلم على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، قال: أفلا قُتِل هذا، أو يريد أن يميتها موتتين» .
ويستحب ألا يذبح شاة، وأخرى تنظر إليه لما روى ابن عمر: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم»
الثانية :
إضجاع الذبيحة على شقها الأيسر برفق، ورأسها مرفوع. ويأخذ الذابح جلد حلقها من اللحي الأسفل، فيمده، حتى تتبين البشرة، ثم يمر السكين على الحلق تحت الجوزة، حتى يقف في عظم الرقبة.
فإن كان أعسر، جاز أن يجعلها على شقها الأيمن. ويكره ذبح الأعسر ويستحب أن يستنيب غيره.وتترك رجلها اليمنى تتحرك بعد الذبح لتستريح بتحريكها.
الثالثة :
توجه الذابح والذبيحة نحو القبلة؛ لأن القبلة جهة معظمة وهي أشرف الجهات، والتذكية عبادة، وكان الصحابة إذا ذبحوا استقبلوا القبلة، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم لما ضحى، وجه أضحيته إلى القبلة، وقال: { وجهت وجهي..} [الأنعام:79/6] . فإن لم يستقبل ساهياً أو لعذر، أكلت.
الرابعة :
نحر الإبل قائمة معقولة الركبة اليسرى، وذبح البقر والغنم مضجعة لجنبها الأيسر وتترك رجلها اليمنى، وتشد باقي القوائم.
لقوله تعالى في الإبل: {فاذكروا اسم الله عليها صوافّ} [الحج:36/22] قال ابن عباس: «أي قياماً على ثلاث» أما الشاة ففي الصحيحين: «أنه أضجعها» وقيس عليها البقر وغيره، لأنه أسهل على الذابح في أخذه السكين باليمين، وإمساك الرأس باليسار.
اللحوم المستوردة من البلاد غير الإسلامية.
للبحث في هذه النقطة الرئيسية وهي عنوان هذا البحث، أجعلها على مسائل تالية :
المسألة الأولى : آراء الفقهاء في ذبائح غير المسلمين.
أولا : ذبائح أهل الكتاب.
أما أهل الكتاب: فتجوز من حيث المبدأ ذبائحهم بالإجماع لقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل لهم} وقد ثبت عن بن عباس رضي الله عنه أنه فسر طعامهم بذبائحهم.
ولما ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة وأكل منها فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عن ذلك فقالت : أردت قتلك ، فقال : "ما كان الله ليسلطك على ذلك "
و عن أنس رضي الله عنه أيضاً أن يهودياً دعا رسول الله صلىالله عليه وسلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه ، والإهالة السنخة : ما أذيب من الشحم والإلية وتغيرت رائحته .
و عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال : كنا محاصرين قصر خيبر فرمى إنسان بجراب فيه شحم فنزوت لأخذه فالتفت فإذا النبي صلىالله عليه وسلم فاستحييت منه ، وفي رواية لمسلم عنه : قال : أصبت جراباً من شحم يوم خيبر فالتزمته فقلت : لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً ، فالتفت فإذا رسول الله صلىالله عليه وسلم مبتسماً.
فهذا فعل رسول الله صلىالله عليه وسلم وإقراره في حل ذبائح أهل الكتاب.
وإذا كانت الذبيحة لكنائسهم وأعيادهم تكره عند المالكية والشافعية وفي رواية عن أحمد ، لما فيها من تعظيم شركهم، ولأن الذابح قصد بقلبه الذبح لغير الله ، ولم يذكر اسم الله عليه وهذا هو الأصوب.
وأما إذا علم أن الذابح سمى على الذبيحة غير اسم الله ، بأن ذبح النصراني باسم المسيح، واليهودي باسم العزير، فالأولى بالصحة عدم الحل لقوله تعالى: {وما أهل لغير الله به} ، وقوله تعالى : {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} ، ولأن المراد بحل ذبائحهم ما ذبحوه بشرطه كالمسلم.
وقال المالكية: بكراهة ذلك في غير حرمة، لعموم آية {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم}.
ثانيا : ذبائح الكفار والوثنيين والمجوس والصابئة
أما الكافر من غير أهل الكتاب، كالمشرك أو الوثني عابد الأصنام، والملحد الذي لا يدين بدين، والمرتد وإن تدين بدين أهل الكتاب، والزنديق، لا تؤكل ذبيحته وتحرم بالاتفاق، لقوله تعالى: {وما ذُبح على النُّصُب} وقوله: {وما أهل لغير الله به} ، لأنه يحرم الاتجاه بالذبح إلى غير الله تعالى، والمرتد لا يقر على الدين الذي انتقل إليه .
أما المجوس : فلا تؤكل ذبيحتهم وصيدهم ؛ لأنهم مشركون ليسوا من أهل الكتاب، إذ يعتقد المجوسي بخالقين اثنين:الخير والشر، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم» وقد روى أحمد بإسناده عن قيس بن سكن الأسدي قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إنكم نزلتم بفارس من النَّبط، فإذا اشتريتم لحماً، فإن كان من يهودي أو نصراني، فكلوا، وإ ن كان ذبيحة مجوسي، فلا تأكلوا» .
وأما الصابئة : فعند الشافعية التفصيل؛ الصابئون إن وافقوا أهل الكتاب في أصول العقائد تؤكل ذبائحهم، وإن لم يوافقوهم وكان دينهم بين المجوسية والنصرانية، أو يعتقدون بتأثير النجوم، فلا تؤكل ذبائحهم ، خلافاً لمن قال بالحل كأبي حنيفة، أو بالحرمة مطلقاً وهم المالكية.
وهذا التفصيل وهو رأي الشافعية هو الأولى.

المسألة الثانية : حكم اللحوم المستوردة من البلاد غير الإسلامية.

هذه المسألة كثُر التساؤل فيها وعمت البلوى بها وحكمها يتبين بتحرير ثلاث مقامات :
فأما المقام الأول : فإن ذبيحة أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) حلالٌ ، دلَّ على حلها الكتاب والسنة والإجماع كما سبق.
والمقام الثاني : إجراء ما ذبحه من تحل ذبيحته على أصل الحل.
وهذا المقام له ثلاث حالات :
الحالة الأولى : أن نعلم أن ذبحه كان على الطريقة الإسلامية بأن يكون ذبحه في محل الذبح ، وهو الحلق ، وأن ينهر الدم بمحدد غير العظم والظفر ، وأن يذكر اسم الله عليه ، فيقول الذابح عند الذبح : بسم الله .
ففي هذه الحال المذبوح حلال بلا شك ، لأنه ذبح وقع من أهله على الطريقة التي أحل النبي صلى الله عليه وسلم المذبوح بها حيث قال صلىالله عليه وسلم : (( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك ، أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة)) رواه الجماعة واللفظ للبخاري ، رفي رواية له : (( غير السن والظفر ، فإن السن عظم والظفر مدى الحبشة )) . وطريق العلم بأن ذبحه كان على الطريقة الإسلامية : أن نشاهد ذبحه أو يخبرنا عنه من يحصل العلم بخبره .
الحال الثانية : أن نعلم أن ذبحه على غير الطريقة الإسلامية مثل أن يقتل بالخنق أو بالصعق أو بالصدم أو بضرب الرأس ونحوه ، أو يذبح من غير أن يذكر اسم الله عليه .ففي هذه الحال المذبوح حرام بلا شك ، لقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم والخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب ) . وقوله تعالى : (ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) ... ، ولمفهوم ما سبق من قوله صلى الله عليه وسلم : (( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا )) . وطريق العلم بأنه ذبح على غير الطريقة الإسلامية أن نشاهد ذبحه أو يخبرنا عنه من يحصل العلم بخبره .
الحالة الثالثة : أن نعلم أن الذبح وقع ولكن نجهل كيف وقع بأن يأتينا ممن تحل ذبيحتهم لحم أو ذبيحة مقطوعة الرأس ولا نعلم على أي صفة ذبحوها ولا هل سموا الله عليها أم لا.

ففي هذه الحالة المذبوح محل شك وتردد ، ولكن النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي حله وأنه لا يجب السؤال تيسيراً على العباد وبناء على أصل الحل ، فقد سبق أن النبي صلىالله عليه وسلم أكل من الشاة التي أتت بها إليه اليهودية وأنه أجاب دعوة يهودي على خبز وشعير وإهاله سنخة ، وفي كلتا القضيتين لم يسأل النبي صلىالله عليه وسلم عن كيفية الذبح ولا هل ذكر اسم الله عليه أم لا ؟ وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا للنبي صلىالله عليه وسلم : إن قوماً أتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا ، فقال : (( سموا عليه أنتم وكلوه )) ، قالت : وكانوا حديثى عهد بالكفر . فقد أحل النبي صلىالله عليه وسلم أكل هذا اللحم مع الشك في ذكر اسم الله عليه وهو شرط لحله ، وقرينة الشك موجودة وهي كونهم حديثي عهد بالكفر فقد يجهلون أن التسمية شرط للحل لقرب نشأتهم في الإسلام ، وإحلال النبي صلىالله عليه وسلم لذلك مع الشك في وجود شرط الحل ( وهى التسمية ) وقيام قرينة على هذا الشك ( وهي : كونهم حديثي عهد بالكفر ) دليل على إجراء ما ذبحه من تحل ذبيحته على أصل الحل.
وما يرد إلينا مما ذبحه اليهود أو النصارى غالبه مما جهل كيف وقع ذبحه فيكون تحرير المقام فيه إجراؤه على أصل الحل وعدم وجوب السؤال عنه .

المقام الثالث : الحكم على هذا اللحم الوارد بأنه من ذبح من تحل ذبيحته.
وهذا المقام له ثلاث حالات أيضا :
الحالة الأولى : أن نعلم أن من ذبحه تحل ذبيحته ، وهم المسلمون وأهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) . ففي هذه الحال المذبوح حلال بلا شك لوقوع الذبح الشرعى من أهله ، وطريق العلم بذلك أن نشاهد الذابح المعلومة حاله أو يخبرنا به من يحصل العلم بخبره ، أو يكون مذبوحاً في محل ليس فيه إلا من تحل ذبيحته .
الحالة الثانية : أن نعلم أن من ذبحه لا تحل ذبيحته كالمجوس وسائر الكفار وغير أهل الكتاب . ففي هذه الحال المذبوح حرام بلا شك لوقوع الذبح من غير أهله ، وطريق العلم بذلك : أن نشاهد الذابح المعلومة حاله أو يخبرنا به من يحصل العلم بخبره ، أو يكون مذبوحاً في محل ليس فيه من تحل ذبيحته .
الحالة الثالثة : أن لا نعلم هل ذابحه من تحل ذبيحته أو لا ؟ وهذا هو الغالب على اللحم الوارد من الخارج ، فالأصل هنا التحريم فلا يحل الأكل منه لأننا لا نعلم صدور هذا الذبح من أهله .
ولا يناقض هذا ما سبق في الحال الثالثة من المقام الثانى حيث حكمنا هناك بالحل مع الشك ، لأننا هناك عملنا بصدور الفعل من أهله وشككنا في شرط حله والظاهر صدوره على وجه الصحة والسلامة حتى يوجد ما ينافي ذلك ، بخلاف ما هنا فإننا لم نعلم صدور الفعل من أهله والأصل التحريم ، لكن إن وجدت قرائن ترجح حله عمل بها .
فمن القرائن :
أولاً : أن يكون مورده مسلماً ظاهره العدالة ويقول : إنه مذبوح على الطريقة الإسلامية ، فيحكم بالحل هنا لأن حال المسلم الظاهر العدالة تمنع أن يورد إلى المسلمين ما يحرم عليهم ثم يدعي أنه مذبوح على الطريقة الإسلامية .
ثانياً : أن يرد من بلاد اكثر أهلها ممن تحل ذبيحتهم ، فيحكم ظاهراً بحل الذبيحة تبعاً للأكثر إلا أن يعلم أن المتولي للذبح ممن لا تحل ذبيحته فلا يحكم حينئذ بالحل لوجود معارض يمنع الحكم بالظاهر.
وإذا كان الحل في هذا الحال مبنياً على القرائن ، فالقرائن إما أن تكون قوية فيقوى القول بالحل ، وإما أن تكون ضعيفة فيضعف القول بالحل ، وإما أن تكون بين ذلك فيكون الحكم متردداً بين الحل والتحريم ، والذي ينبغي حينئذ سلوك سبيل الاحتياط واجتناب ما يشك في حله لقول النبي صلىالله عليه وسلم : ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )، وقوله صلىالله عليه وسلم : (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه) ، وفي رواية : (ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان). هكذا حكم اللحوم المستوردة كما أشار إليه الشيح محمد صالح العثيمين رحمه الله.
الختام
من الأمور المتفق عليها أن أكل الحلال أمر مأمور من عند الله بنص القرآن والسنة . وأن اللحوم التي يحل أكلها يجب أن تكون من الحيوان المأكول اللحم شرعا وأن يذبحه من يحل ذبحه على كيفية الذبح الشرعي. كذلك الأمر في اللحوم المستوردة من البلاد غير الإسلامية بحل أو حرمة فالحكم عليها يتوقف على؛ معرفة الذبائح وكيفية الذبح ومعرفة ضوابط الذبح الشرعي وما يشترط فيه من شروط، ومعرفة الغرض الذي من أجله حصل الذبح.







المراجع والمصادر

- القرآن الكريم.
- البُهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع للبُهوتي، مطبعة السنة المحمدية.
- الدردير، الشرح الكبير بحاشية الدسوقي، مطبعة البابي الحلبي بمصر.
- الزحيلي، الدكتوروهبة، الفقه الإسلامي وأدلته.
- الزيلعي، الحافظ، نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية.
- الزيلعي، تبيين الحقائق للزيلعي، المطبعة الأميرية.
- الشربيني، الخطيب، مغني المحتاج شرح المنهاج ، مطبعة البابي الحلبي بمصر.
- الشيرازي، أبو إسحاق المهذب، مطبعة البابي الحلبي.
- الشوكاني، نيل الأوطار، المطبعة العثمانية المصرية.
- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن
- الكاساني، البدائع ، الطبعة الأولى.
- الميداني، الشيخ عبد الغني، اللباب شرح الكتاب الشيخ، والكتاب للقدوري، مطبعة صبيح بالقاهرة.
- الهيثمي، مجمع الزوائد للهيثمي، مكتبة القدسي بمصر.
- أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا، مقاييس اللغة.
- ابن رشد الحفيد، بداية المجتهد لابن رشد الحفيد، مطبعة الاستقامة بمصر.
- ابن قدامة الحنبلي المغني، الطبعة الثالثة بدار المنارة بالقاهرة.
-ابن عابدين، حاشية رد المحتار لابن عابدين على الدر المختار للحصفكي، مطبعة البابي الحلبي بمصر.
- ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد، فتح القدير شرح الهداية، مطبعة مصطفى محمد بالقاهرة.
- ابن منظور، لسان العرب .
- هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، مجلة البحوث الإسلامية، العدد السادس،سنة 1402هـ.